العودة للخلف

الرق المنشور لفضائل وفوائد البكور

تاريخ النشر: 17 / 09 / 2026
: 1

المُقَدِّمَة

الحمد لله رب العالمين، أعطى فأفضل، وأنعم فأجزل، خلق النفوس وسواها، وألهمها ورباها، له الحمد ما تعاقب الليل والنهار، والعشي والإبكار، وأشهد أن لا إله إلا الله الكبير المتعال، أقرَّت بربُوبيَّته كلُّ المخلوقات التي تسبِّح بحمده، وتسْبَح في ملكوته بالغدو والآصال.

وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، وصفَه ربُّه بالرأفة والرحمة للمؤمنين، والأسوة والقدوة للمتبعين، صلى الله عليه عدد ما سكن بالليل وطلعت عليه شمس النهار، وعدد ما غرَّد في الإصباح واستنشق رحيق الأزهار، وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:   

فإنَّ أعظم رأس مال للإنسان عُمُره، وله في هذا العُمر محطّات، هي مِن أنفس الأوقات، منها ما يتكرَّر في العام كليلةِ القدر وعشر ذي الحجَّة، ومنها ما يتكرَّر كل يوم، وهو الغداة، البكور، وقد ثبت في الشرع فضلها وبركتها.

وقد يسَّر اللهُ الكريم جمع هذه التذكرة لي ولإخواني في فضائل البكور والتبكير، وكان أصلها دراسة وتخريج حديث صخر بن وداعة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: ««اللهم بارك لأمتي في بكورها»([1])، حيث مرَّ بي في بعض المناسبات تخريجه، فلما وقفت على أهميته لم تقنع النفس حتى بذلتُ ما أرجو أن ينفع الله به من دراسته روايةً ودرايةً. وقد تناولتُه في أكثر من خطبة وكذا محاضرة لأهمية الموضوع وتذكير الناس به، فرأيتُ أنْ أنشرَ ذلك في هذا الجزء اللطيف ليعمَّ نفعه فإنَّ نفع الكتاب أعمّ وأعظم.

وقد توسَّعت في دراسة الحديث رواية وسقتُ الأسانيد ونقلت كلام أهل العلم في الرجال، والعلل وطال تخريجه بحيث يعسُر على عوام الناس فهمه، لأنه بالأصالة كان موجّها لطلاب العلم فهو جزء حديثي، وهذا شأن الأجزاء الحديثية.

فرغب إليَّ بعضُ الأفاضل والأحبَّة في اختصاره ليسهل طبعه وتوزيعه واستفادة عامّة الناس منه، فلم يسعْني إلا النزول عند رغبتهم، واستحسان رأيهم، ولهم منا جزيل الشكر في العناية بطبعه، ونشره ليُنتفع به، فجزاهم الله خيرًا.

هذا وفي الحديث زوائد لم تثبُت سننُبِّه عليها، وله طرق وشواهد كثيرة وأكثرها واه مستوفاة في الأصل، أهملتُها في هذا المختصر فاختصرت ما يتعلّق بدراسة الحديث رواية جدًّا، واقتصرت على ما به يتضح ثبوت الحديث وأشرت إلى تخريجها إشارة.

والبُكْرة: من جملة العُمر والوقت الذي لا تزول قدمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عنه؛ فيم أفناه؟!.

والمسلم الفَطِن حريصٌ على عُمُره، ضَنينٌ بوقته أنْ يَضيع، فإنَّ خسارتَه هي الخسارة الحقيقية، إذا فات لم يكن لتداركه سبيل، لا سيما الوقت الذي دعَا فيه النبيُّ لأمته بالبركة فيه.

فهو موضع البركة، وسبب الرزق، وطريق النجاح فإنَّ للبدايات أثر كبير على النهايات، وكلما كانت البداية موفَّقة، كانت النهاية مسدَّدة، وكلما كانت البداية متعثِّرة، كانت النهاية فاشلة!.

وهو من أعظم أسباب الصحَّة، واستغلاله من أعظم أسباب رفعة الدرجات، وعلو المنزلة الدينية والدنيوية.

والعناية بالبكور من أسباب الإحساس بالسعادة، وانشراح الصدر.

كما أنه سِرٌّ : في النجاح، وزيادة الإنتاج، وقوة الحفظ، وجودة الفهم، وحسن الخلُق.

ولم تزل العناية بصدر النهار، والغداة والإبكار من عادة المسلمين التي ورثوها من السابقين أهل المجد وطيبة الطبيعة، ولم يزل تفويت البكور، والنوم بعد الفجر مذمومًا حتى طرأ على كثير من الناس ما طرأ مِن سهَر الليل ونوْم النهار بدون حاجة أو مبرِّر!! وتضييع وقت البركة والتحصيل والإنتاج والإبداع.

فجمعتُ هذه الرسالة وأهديتها لجميع أحبتي المؤمنين، مهما كان جنسهم أو طبيعة عملهم، تذكرة؛ والذكرى تنفع المؤمنين.

ولم أحبّ تكثير الأوراق بكثرة الكلام والنقولات بل ضمنتها دررًا من الآيات الحكيمة، وأحاديث المصطفى الكريمة، تأمُّلها يكفي عن قول كلِّ خطيب وبليغ.

واستطردتُ من التذكير بأهمية البكور واغتنامه إلى التذكير بأهمية التبكير والمبادرة بما يُطلب فيه ذلك، فإنَّه من معناه لغةً، ومن بابه تأليفًا، ومن جنسه أهميةً.

وعلى الله العظيم اعتمادي، وبه ثقتي، وإليه استنادي، منه أسأل حياة طيبة، وإليه أرغب في حسن الخاتمة، ربِّ أحييني مسلمًا وتوفَّني مسلمًا وألحقني بالصالحين.

كتَبَهُ

أبُو محمَّد عَبْدُ الله بن أحمد بن لَــمْح الخولانـي

بمكَّة البَلَد الأَمِيْن

 خلاصة الكلام على الحديث رواية

نص الحديث:

عن صخر الغامدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». قال: (وكان إذا بعثَ سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار)، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا وكان يبعث تجارته في أول النهار فأثرى وأصاب مالًا.

اهتمام أهل العلم بالحديث

وقفت على كلام لعدد من العلماء يرشد إلى اهتمامهم بهذا الحديث العظيم، وعنايتهم بطرقه، وأبانوا أنه جاء عن جماعة من الصحابة، ومن طرق متعددة، وهذا يعني: أنه جدير بأن تُجمع طرقُه، وتُستخرج كنوزُه، وفوائدُه.

فقد ذكره الإمام الترمذي رحمه الله ([2]) عن جماعة من الصحابة.

وقال أبو طاهر السِّلفي رحمه الله في «المجالس الخمسة»([3]): «الحديث صحيح يرويه جماعةٌ من الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي ﷺ، ... والكلام عليه يطول».

وقال ابن عبد البر رحمه الله([4]) عند حديث صخر الغامدي رضي الله عنه : «وهو لفظٌ، رواه جماعة عن النبي ﷺ».

قال المنذري رحمه الله: «وهو كما قال أبو عمر، قد رواه جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ منهم: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن سلام، والنواس بن سمعان، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله -وبعض أسانيده جيد- ونبيط بن شريط وزاد في حديثه «يوم خميسها»، وبريدة، وأوس بن عبد الله، وعائشة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وفي كثير من أسانيدها مقال، وبعضها حسن، وقد جمعتها في جزء وبسطت الكلام عليها»([5]).

وقال ابنُ الجوزي رحمه الله([6]): «قد رُوي من حديث: علي، وابن مسعود، وأبي ذر، وابن عباس، وكعب بن مالك، وأبي هريرة، وجابر، وبريدة، وواثلة، وأنس، وصخر الغامدي، والعرس بن عميرة، وأبي رافع - رضي الله عنهم -».

ثمَّ سردَها واحدًا واحدًا مسندةً معلَّلة، ثم قال: «وقد روي تخصيص البكور بيوم الخميس عن أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، وعائشة - رضي الله عنهم -». ثم أسندها وعللها.

وذكره الهيثمي في «المجمع»([7])عن أربعة عشر صحابيًا، مُخرِّجًا لها، وحاكما عليها، كما هي عادته.

وذكر السيوطي رحمه الله في «الجامع الصغير» حديثَ صخر الغامدي رضي الله عنه ورمز له بالصِّحة، وقال: «وعن ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وعمران بن حصين، وكعب بن مالك، وعن النواس - رضي الله عنهم -»([8]).

قال المناوي رحمه الله: «وظاهر صنيع المصنِّف -أي: السيوطي- حيث اقتصر على هؤلاء؛ أنه لم يُروَ إلا عنهم، وليس كذلك، فقد زاد ابن الجوزي كغيره فرواه عن آخرين: علي أمير المؤمنين، وبقية العبادلة، وجابر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأبي رافع، وعمارة بن وثيمة، وأبي بكرة، وبريدة بن الحصيب، وواثلة، ونبيط بن شريط، وأبو ذر، وأنس، والعرس بن عميرة، وعائشة - رضي الله عنهم -».

ثمَّ قال: «قال ابنُ حجر: وقد اعتنى بعضُ الحفاظ -يعني المنذري- بجمْع طرقه فبلغ عدد مَن جاء عنه من الصّحابة نحو العشرين»([9]).

قلت: كلام ابن حجر في «الفتح» له (كتاب الجهاد ، باب الخروج بعد الظهر).

* وذكره السخاوي رحمه الله في «المقاصد الحسنة»([10]): عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وقال: «قال شيخُنا -يعني الحافظ ابن حجر-: ومنها ما يصح، ومنها ما لا يصح، وفيها الحسن، والضعيف».

محصل الكلام على الحديث

يظهر من كلام أهل العلم على الحديث أنه جاء عن جمع كثير من الصحابة رضي الله عنهم ، وبعضُهم ذكَر ما لم يذكُرْه غيرُه، وجملةُ ما ذكروه، أنه وردَ عن (25) صحابيًّا.

وقد وجدتُه ـ زيادة على ذلك ـ عن اثنين من الصَّحابة، ومرسل من مراسيل ابن المسيب، وقد استوعبت ذكرها بأسانيدها بحمد الله في الأصل، وأكثر طُرقه ضعفُها شديدٌ، لا تصلح في الشواهد.

ولهذا قال أبو حاتم رحمه الله فيما نقله عنه ابنه([11]) -: «لا أعلم في «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، حديثًا صحيحًا».

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في «التلخيص الحبير»: «قال ابن الجوزي: لا يثبت منها شيء، وضَعَّفَها كُلَّها»([12]).

قلت: الحديث قد صحَّحه أو حسَّنه طائفةٌ من الأئمة.

قال أبو عيسى الترمذي: «حديث (صخر الغامدي) حديث حسن». وصححه ابن حبان.

وجوَّد العقيليُّ بعضَ أسانيده، وقال في «الضعفاء»: «وحديث: «بارك لأمتي في بكورها» رواه شعبة عن يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي عن النبي ﷺ مثله وهو أولى بإسناد جيد». وقال أيضًا -بعد أن ذكره من طريقٍ ضعيفة-: «والمتن ثابت عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه»([13]).

وقال أبو طاهر أحمد بن محمد السِّلفي: «الحديث صحيح يرويه جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي ﷺ». وقال المنذري: «وفي كثير من أسانيدها مقال، وبعضها حسن».

وصحَّحه الحافظُ ابن حجر أو حسَّنه -فيما نقله عنه السخاوي في «المقاصد الحسنة»([14])، ورمز السيوطي لصِحّته، واحتجّ به جماعةٌ من أهل العلم كابن القيم وابن مفلح... وغيرهم كثير. وصحَّحه العلامة الألباني رحمه الله ([15]).

وهذا هو ما تبيَّن لنا بعد دراسة طُرُق الحديث على قواعد أهل الفن، أنَّ الحديث صحيح لغيره، وأحسن الطرق التي تصلح لتقوية الحديث، وبها صار صحيحًا؛ هي:

ـ حديث صخر الغامدي.

ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه من بعض طرقه.

ـ حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما من طريق الليث عن أبي الزبير عنه.

ـ حديث عائشة رضي الله عنها من بعض طرقه.

ـ حديث حذيفة رضي الله عنه من بعض طرقه.

ـ وثَمَّ طرق، بالإضافة إلى مرسَل ابن المسيّب رحمه الله ، ليست مطَّرحة، وفيها أكثر من سببِ ضَعْفٍ، فهي في الباب.

فصل: في ألفاظ الحديث

اتفقت الروايات كلها على لفظ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» وهذا هو الثابت عن النبي ﷺ من قوله.

وفي حديث صخر رضي الله عنه زيادة: «وكان إذا بعث سريَّة أو جيشًا بعثهم في أول النهار» وهذه لها شواهد تحسَّن بها، كما سيأتي الإشارة إليه في فصل: التبكير في القتال.

وهناك روايات وزيادات أخرى، في طرق الحديث لا يثبت منها شيء، فمنها:

ـ زيادة: «يوم خميسها» أو «يوم الخميس».

ـ وفي بعضها: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها».

ـ وروي أيضا: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها ويوم خميسها».

ـ وفي لفظ: «اطلبوا العلم كل اثنين وخميس فإنه ميسر لمن طلب، وإذا أراد أحدكم حاجة فليبكِّر إليها فإني سألتُ ربي أن يبارك لأمتي في بكورها».

ـ وفي لفظ: «باكروا طلب الرزق والحوائج فإنَّ الغدوَّ بركةٌ ونجاح».

فهذه الألفاظ في هذا الحديث ليست بصحيحة، وطرقها شديدة الضعف، كما وضحته بالتفصيل في الأصل.

أصح طرق الحديث، وشواهده

الأول: حديث صخر الغامدي رضي الله عنه

من طريق يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». قال: (وكان إذا بعثَ سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار)، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا وكان يبعث تجارته في أول النهار فأثرى وأصاب مالًا.

تخريجه:

جاء من طرق مختلفة عن يعلى بن عطاء، أخرجه: أحمد في مواضع منها (3/416)، (3/432)([16])، (3/417)، والطيالسي (1246) ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (3/1514)، والبخاري في «التاريخ الكبير»، (4/310)، وأبو داود (2606)، والترمذي (1212)، وابن ماجة (2236)، والنسائي في «الكبرى» (8833)، والدارمي في «السنن»، (2/283)، وابن أبي شيبة في «المصنف»، (12/516)، وابن حبان (4754) (4755)، والطبراني في «الأوسط» (7/449)، وفي «الكبير» (8/24)، والبيهقي في «الكبرى»، (9/151)، وقد استوعبت تخريجه في الأصل.

الحكم عليه:

سنـده ضعيف. يعلى بن عطاء؛ روى عنه جماعة من الأجلَّة، ووثقه ابنُ معين وابن سعد وغيرهما، وأثنى عليه أحمد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.

والسند إليه صحيح، رجاله ثقات أثبات.

لكن علة الحديث: عمارة بن حديد، فإنه مجهول.

وأما صُحبة صخر الغامدي رضي الله عنه ، فقد شكك فيها بعضُهم، وليس بشيء، بل هو صحابي، وممن أثبت صحبتَه: أبو حاتم، والبخاري، وذكره كل من ألف في الصَّحابة بدون تنبيه أو تعقيب، ومنهم: ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/21 ـ 22)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، وابن الأثير في «أسد الغابة» (3/14)، وابن مندة كما في «الأُسْد» أيضًا، وانظر «الإصابة» (3/338).

وهذا الإسناد صالح في الشواهد، وقد حسَّنه الترمذي، ثم أبو طاهر السِّلفي كما تقدم، وجوَّده العقيلي، والاستشهاد بالمجهول أحيانًا، عليه عملُ بعض المحققين من أهل العلم.

الثالث: حديث جابر رضي الله عنه

جاء حديث جابر من طرق، أحسنها: طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر.

التخريج:

أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (1/530/1000) قال: حدثنا أحمد قال حدثنا الهيثم قال حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».

الحكم عليه:

أحمد هو: ابن مسعود المقدسي، روى عنه الطبراني، وأبو عوانة الإسفرائيني، وأبو جعفر الطحاوي، وغيرهم، وقال الشيخ حماد الأنصاري في «البلغة» (84): «هو صدوق، فإنَّ أبا عوانة أخرج له في صحيحه». وقال الذهبي: المحدث الإمام.

وشيخه: هو الهيثم بن جميل البغدادي ثقة مترجم في «التهذيب».

والليث هو ابن سعد ثقة إمام، وأبو الزبير وإنْ كان مدلِّسًا، فإنَّ الراوي عنه: الليث، فلا تضر عنعنتُه، لما هو معلوم في علم المصطلح.

فهذا السند حسن لذاته عندي. وجوَّده الإمام المنذري.

الرابع: حديث عائشة رضي الله عنها

وأحسن طرقه: طريق محارب بن دثار عنها.

التخريج:

أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (5/417/4826)، فقال: حدثنا عبد الملك بن محمد أبو نعيم قال نا عمار بن رجاء قال حدثنا عفان بن سيار الباهلي الجرجاني عن [خلف بن خليفة]([17]) عن محارب بن دثار عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها واجعله يوم الخميس».

وقال: لم يرو هذا الحديث عن محارب إلا خلف بن خليفة تفرد به عفان بن سيار.

الحكم عليه:

عبد الملك بن محمد أبو نعيم: ثقة إمام، وعمار بن رجاء: ثقة، وشيخه: عفان بن سيار الباهلي، مترجم في «التهذيب»: قال أبو حاتم شيخ، وقال البخاري: لا يعرف بكثير حديث، وقال العقيلي: لا يُتابع على رفع حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولخص ذلك الحافظ، فقال: صدوق يهم.

قلت: فهو قوي في الشواهد على أقل الأحوال. ولم يُذكر في مشائخه: خلف بن خليفة، وخلف: صدوق في نفسه، لكنه اختلط في آخره، كما في «الكواكب النيرات»، ومحارب بن دثار ثقة، لكني لم أرَ له رواية عن عائشة رضي الله عنها.

فهذا السند ضعيف، محتمل في الشواهد، لكن ذكر الخميس فيه منكر.

الخامس: حديث حذيفة رضي الله عنه

تخريجه:

أخرجه أبو الشيخ في كتابه «ذكر الأقران» (283)، كما في «الإيماء» (2/327)، قال: ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو أحمد عن سفيان عن شعبة عن قتادة عن أبي مجلز عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».

الحكم عليه:

وهذا سند ضعيف، لا بأس به في الشواهد، ومحمد بن العباس: هو أبو جعفر الأصبهاني الحافظ، المعروف بابن الأخرم، ترجمته في «اللسان» و«تذكرة الحفاظ»

و محمد بن المثنى: هو أبو موسى العنزي: ثقة ثبت، وأبو أحمد: هو الزبيري، ثقة ثبت، يخطئ في حديث الثوري، وأبو مجلز: هو لاحق بن حميد، ثقة، حديثه عن حذيفة مرسل، قال شعبة: لم يدركه، كما في «جامع التحصيل».

الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه

وله عنه طرق، ذكرتها في الأصل، أحسنها: طريق عبد الله بن جعفر عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بورك لأمتي في بكورها».

التخريج:

أخرجه الطبراني: في «المعجم الأوسط» (1/423/758)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/317).

الحكم عليه:

سنده ضعيف، صالح في الشواهد.

قال الهيثمي رحمه الله : «رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه عبدالله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني وهو ضعيف».

قلت: وفي شيخ الطبراني ضعْف أيضًا.

قال ابنُ الجوزي رحمه الله : «وأما حديث أبي هريرة فتفرَّد به عبدالله بن جعفر عن ثور وكان عبدالله كثير الغلط».

قلت: ومَن فوقه ثقات، وسالم أبو مطيع: سمع من أبي هريرة.

مفهوم التبكير ومعناه في اللغة

التبكير من الفعل: بَكَر، وأبكَر، وبكَّر، وابتَكَر، وباكَر، وكلُّه بمعنى: ذهب بُكْرة.

وأبكَر، وبكَّر: بمعنى تقدَّم أيضًا.

فهذان معنيان في اللغة.

والبُكْرة: الغداة. وهو صَدْر النَّهار وأوَّله([18]). قال تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} الْقَمَر: 38، وكذا الإبكار: أول النهار، قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} آل عمران:41 قال ابنُ جرير: «أمَّا الإبكار فإنَّه مصْدَر من قول القائل: أبكَرَ فلان في حاجة، فهو يُبْكِر إبكارًا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى فذلك إبكار. يقال فيه: أَبكَرَ فلان، وبَكَرَ، يَبكُر بُكورًا».

والجمع: بُكُر، وأَبْكَار. والرجُل بَكُرٌ ، وبَكِرٌ: قَوِيٌّ على البُكورِ.

قال الأزهري: «والبُكورُ، والتبكيرُ: الْخُرُوج فِي ذَلِك الْوَقْت».

وقال الجوهري: «وكلُّ مَن بادر إلى الشئ فقد أَبْكَرَ إليه وبَكَّرَ، أيَّ وقتٍ كانَ».

يُقال: بَكَرَ الشَّجَرُ : أَعْطَى ثَمَرَهُ مُبَكِّرًا : أَيْ قَبْلَ أَوانِهِ.

وقال المناوي: «وعن الفارسي: أنَّ البكور الإسراع أي وقت كان».

قال الراغب: «البُكْرَة: التي هي أوّل النهار. فاشتق من لفظِه لفظ الفعل، فقيل: بَكَرَ فلان بُكُورا: إذا خرج بُكْرَةً. والبَكُور: المبالِغ في البُكرة. وبَكَّر في حاجته وابْتَكَر وبَاكَرَ مُبَاكَرَةً. وتُصُوِّر منها معنى التعجيل لتقدُّمها على سائر أوقات النهار، فقيل لكلِّ متعجِّلٍ في أمر: بَكّر».

وحكاه عنه المناوي ملخصًا فقال: «البكرة: أول النهار، فاشتق من لفظه لفظ الفعل فقيل: بكَر فلان لحاجته؛ إذا خرج بُكْرة، وتُصوّر منها معنى التعجيل لتقدّمها على سائر أوقات النهار، فقيل لكلِّ متعجِّل: بكر»([19]).

 

أهمية البكور ، وفضائله

1- أنه سبب في حصول البركة للعبد في كل تصرُّف مشروع أو مباح يوقعه العبد فيه، من طلب علم، أو تجارة، أو سفر، أو غير ذلك، ببركة دعوة النبي لأمته بأن يبارك الله لها في بكورها.

2- والتبكير في الصالحات والمبرات سببٌ في سعادة العبد في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الحديد:21، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} آل عمران:133.

3- واغتنام البكور من أعظم أسباب حفظ الأوقات، وعدم تضييع العمر، بل هو عينُ استغلالِه فيما ينفع، وامتثال لما أرشد إليه النبيّ في قوله: «احرصْ عَلى مَا يَنفعُك»، وأي نفع أعظم من الحفاظ على البكور من الضياع وهي مِن أعزّ أوقات المسلم، وأفضل ساعاته، وقد قال : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ». رواه البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنه .

4- وفي اغتنامه استباق الصوارف، وتغيُّر الأحوال، وقد قال : «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ». رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وفي هذا الحديث حثٌّ أكيد وترغيب شديد في المبادرة إلى شغل الأوقات الفاضلة بالأعمال الصالحة قبل تعذُّرها والاشتغال عنها بما يحدُث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم!.

5- وصْف رزق أهل الجنة في الجنة بأنه يأتيهم بكرةً وعشيَّا.

قال الله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم:62.

قال العلماء: ليس في الجنة ليلٌ يُعرف به البكرة والعشي بل هم في نور أبدًا ولكنهم يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرَفي النَّهار.

قال الحسنُ البصري رحمه الله : كانت العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي فوصف الله عز وجل جنته بذلك.

وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشيًّا، لكن يُؤتى به على قدر ما كانوا يشتهون في الدنيا.

فهذا مخاطبة بما تعرفه العرب وتستغربه في رفاهة العيش.

وحاصله: أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه([20]).

وفي هذا إشارة إلى أن هذا الجزاء العظيم لهم على مثابرتهم وحرصهم على عبادة الله وملازمة ذكره في البُكرَة والعشيِّ فأعطاهم ثوابَهم في الوقت الذي ذكروه فيه.

ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي قال: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».

6- وصْف المغتنمين له بالرِّجال، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} النور 36 38 أمر الله تعالى بعمارة بيوته في أرضه، تشييدًا وبناء، وعبادة وذكرًا، وخصَّ من الأوقات: الغدوّ، والآصال. أي أول النهار وآخره.

ووصف الذين يسبِّحون الله ويذكرونه ويعبدونه في البكور بأنهم:

أ- رجال. وهي كلمة تفيد معنى أعمق من كلمة ذكر.

قال ابن كثير رحمه الله : «قوله: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهمَمِهم السَّامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صَاروا عُمّارا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الأحزاب:23.

ب- ولم يمنع من مدحهم والثناء عليهم أنهم يبيعون ويشترون فهذا مما أباحه الله أو أمر به، ولكنهم لا يقدِّمون على ذكر الله وطاعته وإقامة الصَّلاة تجارةً ولا لهوًا، فقال: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}.

ج- ثم وصفهم بأعظم وصف، ونعتهم بأعظم محرك للطاعة، وحاجز عن المعصية، وأقوى ما يبعث على الصبر والمصابرة والمجاهدة لله وفي الله وهو: الخوف من الله، وتذكر الوقوف بين يديه، والجزاء والحساب، والمآل، وهي صفة خاصّة اللهِ وصَفْوته مِن خلقه كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} ص:46. أي هذه الخاصّة التي اختُصُّوا بها هي: ذكرى الدار الآخرة والاستعداد لها.

د- ثم وصفَهم بأنهم يعملون لله ابتغاء مرضاته، ونيل رحمته، ودخول جنته، لا رياء ولا سمعة ولا لدنيا فانية. بل {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}، والله جل وعلا عند حسن ظنهم به، وهو يزيدهم من فضله، ويجزيهم من جنس عملهم.

7- انشراح الصدر: وهذه من أعظم فوائد البكور، وقد ذكرها النبيُّ كما في الحديث المشهور في الصحيحين وفيه -: «فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ».

قال الحافظُ ابن حجر رحمه الله : «قوله ﷺ: «طيِّب النفس» أي لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عُقَد الشيطان، كذا قيل؛ والذي يظهر: أنَّ في صلاة الليل سرًّا في طِيْب النفس وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذُكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} المزمل:6».

قلت: قد أحسنَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله في استظهاره كون انشراح الصدر لسرٍّ يعود إلى نفس البكور والصلاة، وهو أمرٌ يجدُه الصَّالحون والعلماء، وهو واحد منهم، من أثر البكور وصلاة الليل وصلاة الصبح في جماعة والعناية بذكر الله تعالى ذلك الوقت، فإنَّ لذلك عظيم الأثر في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وهناء العيش.

قال ابنُ القيم رحمه الله : «ولا ريب أنَّ الصلاة نفسها فيها من حفظ صحَّة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحَّة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب كما في الصحيحين...» ثم ذكر الحديث([21]).

وقال المناوي رحمه الله ([22]): «قال ابنُ الحاج: وفي قيام الليل من الفوائد: إنه يحط الذنوب، وينشط البدن».

وهكذا كان حال السواد الأعظم من المسلمين في الزمان الأول، وإلى زمن ليس بالبعيد؛ الاهتمام بالبكور، والشروع في الأعمال والوظائف اليومية من أول اليوم، يخرجُ المرء أولَ النهار لحَاجَاتِهِ، بعد أن يصلي الصُبحِ فيكونُ أدَّى حقَّ الله تعالى ثُم يشتغلُ بالذكر وقِراءة القرءان، ويذهب لعملهِ لطلب المعيشة، وعلى هذا دأَبَ الناس في عاداتهم القديمة يبكِّرون.

وهكذا علَّم النبيُّ أصحابَه وأمتَه بفعله، وأرشدهم إليه بقوله، فقد كان يكره الحديث بعد العشاء حيث لا حاجة تدعو إلى السَّهر، وفيه إشارة إلى الترغيب في التبكير بالنوم قبل نصف الليل، لأنه أعون على قيام شيء من الليل، وكان أذَّن المنادي صلى راتبة الصبح وصلى الفجر، وأقبلَ على ذكر الله تعالى في مصلاه حتى تطلع الشمس، وكان يحضُّ على ذلك بقوله، وهكذا أخذَ هذا الهدي النبوي العظيم الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم كما سيأتي الإشارة إلى ذلك قريبًا.

بخلاف ما يغلب على كثير من الناس اليوم من السَّهر دون حاجة إلى بعد منتصف الليل وربما بوقت متأخِّر، وينامون قبيل الفجر فيمرًّ وقت السَّحر ثم وقت صلاة الصبح ويذهب أول النهار، فيضيِّعون ما أوجب الله تعالى ويفوِّتون الغنائم العظيمة!!.

 

فضل التبكير، وحكم التصرف في غير وقت البكور

هذه نبذة من فضل التبكير وأنه مستحب، وبيان أنه لا مانع من التصرف في غير وقت البكور من سفر أو عمل ونحو ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله ([23]): «ولا ريب أنَّ استقبال الأسفار، والأفعال، في أوائل النهار والشهر والعام لها مزية، والنبي ﷺ قد قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، وكان صخر الغامدي -راوي الحديث- إذا بعث تجارةً له؛ بعثها في أول النهار، فأثرى وكثُر ماله.

ونِسبة أوَّل النهار نِسبة أول الشهر إليه، وأول العام إليه، فللأوائل مزيَّة القُوَّة، وأول النهار والشمس بمنزلة شبابه، وآخره بمنزلة شيخوخته، وهذا أمر معلوم بالتجربة، وحكمة الله تقتضيه».

وقال المناوي رحمه الله ([24]): «وأحقُّ ما طلب العبدُ رزقَه؛ في الوقت الذي بُورك له فيه، لكنه لا يذهب إلى طلبه إلا بعد طلوع الشمس، وقبله يمكثُ ذاكرًا مستغفرًا حتى تطلع، كما كان يفعلُ المصطفى ﷺ».

قال: «وقال النووي في «رؤوس المسائل»: يُسنُّ لمن له وظيفة من نحوِ: قراءةٍ، أو علم شرعي، وتسبيح، أو اعتكاف، أو صنعة: فِعْلُه أول النهار، وكذا نحو: سفر، وعقد نكاح، وإنشاء أمر، لهذا الحديث».

قلت: هذا الكلام في الأفضل في التصرُّفات لكون الوقت وقت بركة، وإلا فقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه: (باب الخروج بعد الظهر) وبابا آخر بعده فقال: (باب الخروج آخر الشهر).

وذكرَ حديثَ أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبي خرج في حجته من المدينة بعد الظهر. وحديثَ ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما في خروجه لخمس بقين من ذي القعدة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ([25]): «وكأنَّه أوردَه إشارة إلى أنَّ قوله ﷺ: «بورك لأمتي في بكورها» لا يمنعُ جوازَ التصرُّف في غير وقت البُكور، وإنما خُصَّ البكور بالبركة لكونه وقت النشاط».

قلت: فهذا وأمثاله مما ثبت عنه ، ومما عليه عمل الأئمة والأمة في تصرُّفاتهم دليل على جواز السفر والتصرُّف في غير البكور، وعلى أنه لا يُدَّعَى أنه ممحُوق البركة!!.

وقد يضطر العبد إلى عمل الليل، كالحارس ونحوه، وبالضرورة ينام في النهار، وهكذا قُل: في السفر أو الدراسة أو غير ذلك، عارضًا كان أو مستمرًا.

وإنما الكلام على الأفضل، والأعظم بركة، والأكثر نفعًا في الدين والدنيا، والله أعلم.

وأيضًا قد كان لبعضهم عقيدة فاسدة يتطيَّر بسببها بالسفر في آخر الشهر، ونحو ذلك، فأبطل النبيُّ ذلك.

قال ابن الملقن رحمه الله : «خروجه آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية في استقبالهم أوائل الشهور في الأعمال وتجنبهم غيره من أجل نقصان العمر!! فبعث الله نبيه ينسخُ ذلك كله، ولم يراع نقص شهر ولا ابتداءه ولا محاق القمر ولا كماله، فخرج في أسفاره على حسب ما يتهيَّأ له، ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا ظُنونهم الكاذبة، وردَّ أمره إلى الله تعالى، ولم يُشرك معه غيرَه في فعله، فأيَّدهُ ونصرَه»([26]).

قلت: فمَن ترك السفر مثلا آخرَ يومه، أو آخرَ شهره، وأخَّره إلى الصباح أو أول الشهر على سبيل الطيرة، فقد أتى بابًا من أبواب الشرك، كما قال : «الطيرة شرك»، وعلاجه: أن لا تردّه الطيرة، وأن يتوكل على الله تعالى، كما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال- في أسئلته - للنبي : ومنا رجال يتطيَّرون؟ فقال النبي : «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم».

أما إذا لم يطرأ على ذهنه ذلك، وقصد البركة بالتبكير في سفره في الصباح فحسَنٌ، كما ذكره ابنُ القيم رحمه الله ، وغيره، والله أعلم.

حال النبي مع البكور

أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» (670) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه : «أن النبي ﷺ كان إذا صلَّى الفَجْر جلسَ في مصلَّاه حتى تطلعَ الشَّمسُ».

فهكذا كان دأبه وفعله ، وفي رواية لمسلم أنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقتدون به ويبقون في المسجد يذكرون الله تعالى وربما تذاكروا أمورًا كانوا عليها في الجاهلية يذكرون نعمة الله عليهم.

ولم يقتصر على الدلالة عليه بفعله بل رغَّب في ذلك أعظم ترغيب وأرشد إليه فقال: «مَن صلى الغَدَاةَ في جماعةٍ، ثمّ قعَدَ يذكرُ اللهَ حتَّى تطلعَ الشّمسُ، ثمّ صلّي، ركعتينِ؛ كانت له كأَجرِ حَجّةٍ وعُمرةٍ، تامّةٍ تامّةٍ تامّةٍ»([27]).

من سنة المرسلين

وهذا أيضًا من هدي المرسلين، وطريقتهم، كما قال تعالى عن زكريا عليه الصلاة والسلام: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم: 11.

واختلفت عبارة المفسرين في معنى (سبِّحُوا):

فقيل: أمَرَهم بالصلاة في هذين الوقتين.

وقيل: المراد الذكر وتسبيح الله تعالى باللسان.

قلت: لا مانع من حمله على المعنيين.

قال الإمام الطبري رحمه الله : «قوله: {أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قد بيَّنتُ فيما مضى الوجوه التي ينصرف فيها التسبيح، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عَنَى به التسبيح الذي هو ذكر الله، فيكون أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوزُ أن يكون عنى به الصَّلاة، فيكون أمرهم بالصَّلاة في هذين الوقتين».

وقد أُمرَ زكريا عليه الصلاة والسلام بذلك، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} آل عمران 41

قال ابن جرير: «أما (الإبكار) فإنه مصدر من قول القائل: أبكَرَ فلان في حاجة فهو يُبْكِر إبكارًا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى».

وقال البغوي: «والعشي: ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سُمِّي صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي، والإبكار: ما بين صلاة الفجر إلى الضحى».

وقال ابن عطية: «والإِبْكار: مصدر أبكَرَ الرجل: إذا بادر أمرَهُ من لدن طلوع الشمس. وتتمادى البُكْرةُ شيئًا بعد طلوع الشمس».

حال السلف مع البكور

وإذا تصفَّحنا حالَ الصَّحابة رضوان الله عليهم، فمَن بعدهم، في البُكور، واهتمامهم، رأينا غايةَ الحرص منهم على استغلاله ولمسنا ثمرةَ بركة حِرْصِهم ذلك.

ومن نماذجه: ما أخرج مسلم (822) عن أَبِي وائِلٍ قَالَ: غدونا على عبدِ الله بنِ مَسعُودٍ يَومًا بَعدَ ما صلَّينا الغدَاةَ، فسلَّمنا بِالبَابِ فأَذِنَ لنا، قال فمكثنا بِالبابِ هُنيَّةً!، قال فخَرَجَت الجَارِيةُ فقالَت: ألا تدخُلُون، فدَخَلنَا، فَإِذا هُو جالِسٌ يُسبِّحُ فقال: «ما منعكُم أَن تَدخُلُوا وقد أُذِن لكُم»؟ فقُلنا: لا إِلَّا أنَّا ظننَّا أَنَّ بعضَ أَهلِ البَيتِ نائِمٌ، قالَ: «أظنَنتُم بِآلِ ابنِ أُمِّ عَبدٍ غَفلَةً؟!» قال: ثُمَّ أَقبَلَ يُسبِّحُ حتَّى ظنَّ أَنَّ الشَّمسَ قد طَلعَت، فقال: يا جارِيَةُ انظُرِي هل طلعَت قَال فنظَرَت فَإِذا هِي لم تطلُع، فأَقبل يُسبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمسَ قَد طلَعَت، قَال: يا جارِيةُ انظُرِي هل طَلعَت؟ فنظرت فإِذَا هِي قد طلعت، فقالَ: «الحمدُ لله الَّذِي أَقالنا يومَنَا هذا ولم يُهلِكنا بِذُنُوبِنا».

قال فقال رَجُلٌ مِن القومِ: قرأتُ المُفَصَّلَ البَارِحةَ كُلَّهُ! قال فقال عبدُ الله: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ، إِنَّا لَقد سمِعنا القرائِن، وإِنِّي لأحفظُ القرائِن الّتِي كان يقرَؤُهُنَّ رَسُولُ الله ﷺ:«ثَمانِيةَ عَشَرَ مِن المُفَصَّلِ وسُورتينِ مِن آلِ حم».

فهؤلاء بكَّروا في طلب العلم عند هذا العالم، وانظر كيف أعطاهم درسًا بليغًا، وأنه لم يكن ليستغلّ البُكُور ويجني بركتَه ويُهمل أهلَه!، ولم يكونوا هم بهذا الحال، بل هذه غفلة هم مِن أبعد الناس عنها.

واعلم أنَّ في التبكير في طلب العلم بركةً في التحصيل العلمي لا توصف، بل حتَّى في جسم الدارس فإنَّ الطالب يشعر ببركة ونشاط وحيويَّة وهو أمر لا يُنكره أحدٌ يدرس في ساعات الفجر الباكر، حيث يجدُ بركةً كبيرة في هذه الساعات الباكرة، في قوة الحفظ، والقدرة على الاستيعاب، وجودة الفهم، وحُسن التلقِّي.

وهو أمر متفق عليه بين الطلاب، فإنَّ الحصص الأولى مثلًا، يشعرون فيها بنحو ما ذكرنا بخلاف الحصص المتأخرة، وكل ذلك لبركة البكور على العبد.

ومن النماذج ما أخرجه الإمام أحمد (22030) عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلتُ مسجد دمشق بالشام، فإذا أنا بفتى برّاق الثنايا، وإذا الناس حوله إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدَرُوا عن رأيه، فسألتُ عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان الغد هجَّرتُ فوجدتُه قد سبقني بالتهجير، ووجدتُه يصلي، فانتظرته حتى إذا قضَى صلاتَه جئته من قِبَل وجهه، فسلمتُ عليه، فقلتُ له: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ فقلت: ألله. فقال: آلله؟ فقلت: ألله. فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشِرْ فإني سمعت رسولَ الله يقول: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ».

فهذا أبو إدريس رحمه الله يبالغ في التهجير -وهو التبكير- فيجد صاحبَ رسول الله ، العالم الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه قد سبقه إلى ذلك.

وفي «حلية الأولياء» عن عبد الله بن عمرو أنه مرَّ على رجل بعد صلاة الصبح وهو نائم، فحرَّكه برجْلِه حتى استيقظ، فقال له: أما علمتَ أنَّ الله عز وجل يطلع في هذه الساعة إلى خلقه فيدخل ثلة منهم الجنةَ برحمته».

ورأى عبدُ الله بن عباس ابنًا له نائمًا نومة الصُّبحة، فقال له: (قم، أتنام في الساعة التي تُقسم فيها الأرزاق؟!).

وفي «سير النبلاء» عَنْ سُفْيَانَ بنِ وَكِيْعٍ، قَالَ: «كَانَ أَبِي يَجْلِسُ لأَصْحَابِ الحَدِيْثِ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقِيْلُ».

وفيه أيضًا: ترجمة الإمام أحمد: قَالَ عَبْدُ الله: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: رُبَّمَا أَرَدْتُ البُكورَ فِي الحَدِيْثِ، فَتَأْخُذُ أُمِّي بِثَوبِي، وَتَقُوْلُ: حَتَّى يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ !؟.

وفي «السِّيَر» أيضًا: قِيْلَ لِلشَّعْبِيِّ: مِنْ أَيْنَ لَكَ كُلُّ هَذَا العِلْمِ؟ قَالَ: بِنَفْيِ الاغْتِمَامِ، وَالسَّيْرِ فِي البِلاَدِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الحَمَامِ، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ.

وفي «صحيح مسلم» (2666)، ومسند الإمام أحمد (6801) عن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرتُ إلى رسول الله يومًا، فإنا لجلوس إذ اختلف رجلان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: «إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ».

والشاهد فيه إخباره عن نفسه بأنه هجر إلى النبي لطلب العلم منه.

ولا شك أنَّ سيرة العلماء والعظماء تعجُّ بوصفهم بالتبكير في سائر الوجوه، في الطلب، والعبادة، وغير ذلك. وهل تنال الإمامة في الدين، إلا بالصبر واليقين.

قال ابن القيم في «الوابل الصيب» عند الفائدة السابعة العشرة: «حضرتُ شيخَ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثمَّ جلس يذكرُ الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار!! ثم التفتَ إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ الغداء سقطت قوتي!».

هذا حال هؤلاء العلماء الربانيين، والأئمة المهديين فبهداهم اقتدِ، تفلح وتنجح.

ذكر الله أول النهار

أمر الله سبحانه وتعالى بذكره والإقبال عليه في أول النهار وآخره فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42]

أي: أول النهار وآخره. وذلك لفضل ذلك الوقت وشرفه، وسهولة العمل فيه.

فهذان الوقتان غنيمتان عظيمتان للمؤمن، يحوز بالإقبال على الله تعالى فيهما بذكره والأُنس به، على ثمار لا يُقدر عدّها ولا يوصف قدْرها.

ومنها ما ذكره الله تعالى بعد الأمر بذكره في هذين الوقتين بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} الأحزاب 41،43.

ومنها: ما أخبر عنه مِن أنَّ للذاكر لله تعالى في وقت البكور أجر حجَّة وعُمْرة تامَّتين!.

ولم يقف الحث على الأمر باغتنام هذا الوقت العظيم، بل ضُمَّ إلى الأمرِ: النَّهي عن الغفلة عنه، وعدم المبالاة به، كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205].

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله : «(ولا تكن من الغافلين) الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فإنهم حُرموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلُّ السعادة والفوز في ذِكْره وعبوديَّته، وأقبلوا على مَن كلُّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به.

وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أنْ يراعيَها حقّ رعايتها، وهي الإكثار من ذكر الله آناء الليل والنهار، خصوصًا طرفي النهار، مخلصًا خاشًعا متضرِّعًا، متذلِّلًا ساكنًا، بأدب ووقار، وإقبال على الدعاء والذكر، وإحضار له بقلبه وعدم غفلة».

قال أبو محمد ابن عطية رحمه الله : «لما قال الله عز وجل: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} جعَلَ بعدَ ذلك مثالًا من اجتهاد الملائكة ليبعثَ على الجدِّ في طاعة الله عز وجل»([28]).

قلت: يعني الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} الأعراف:206.

وهذه الآية الكريمة: فيها كما قال أبو محمد رحمه الله كالتنبيه لمن غفل من وجهين: ذِكْر اجتهاد الملائكة في عبادة الله تعالى كمثال يبعثُ على الطاعة ونبذ الغفلة، والتنبيه أيضًا على أن مَن غفل إنما ضرَّ نفسه، وأنه إذا غفل فثمَّ ممن لا يدخلون تحت العدِّ والحصْر كلُّهم يسبِّح لله ويسجُد لله لا يفترون.

وأشارت الآية الكريمة إلى أمرين اثنين مهمين:

الأول: أنَّ العبدَ كلَّما قرب من الله تعالى أنس بذكره، فصار أحبّ إليه من كل شي، وأصبح غذاءه الذي لا حياة له إلا به. والعكس بالعكس كلما بعُد من الله قَسَا قلبُه، وضاقَ صدرًا بالعبادة فإنْ أداها فعلى عَجَل وكسل وقلة خشوع.

الثاني: أن أساس العبادة الذل والخضوع والاستكانة لله جل وعلا، والخشية منه، والرغبة فيما عنده. وأصل النُّفرة عن ذِكْره وعبادته: التكبُّر، وعدم قيام قدْر الله جل وعلا كما ينبغي لله سبحانه، في قلب العبد! كما قال تعالى في حق من عصَاه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الزُّمَر:67.

فالزم أخي الحبيب: ما أمرك به ربُّك سبحانه، وأرشدك إليه نبيُّك ، ولا تغفل عنه.

قال الإمام النووي رحمه الله : «اعلم أنَّ أشرفَ أوقات الذِّكْر في النَّهار: الذِّكرُ بعد صلاة الصُّبح»([29]).

 

ذم تضييع البكور، ونوم الصبحة، وأضرار ذلك

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «ذاكَ رجُل بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»([30]).

وقوله: «حتَّى أصْبَحَ»: اختُلف في معناه:

- فحمله الطحاوي في «شرح المشكل» على صلاة العشاء، وأيَّده بما وردَ مِن كراهة النوم قبلها لما قد يشتمله من تمادي النائم إلى الصَّباح، فيُضيِّع الصلاة.

- وحمله الأكثرون على صلاة الليل في السَّحَر.

- ورواه الثوري وقال: هذا يشبه عندنا أن يكون في الفريضة. أخرجه ابن حبان. فحمَلَه رحمه الله على صلاة الصبح.

والحاصل: أنه يُحتمل حملُه على صلاة الليل في السَّحر فإنها في وقت متصل بالفجر، ويشمله لفظ الغُدُو، والغدوة توسُّعًا، كما في حديث: «تغدو خماصًا»، ويطلق عليه البكرة، والذاهب فيه يُطلق عليه: أبكر، وهو مبكِّر، كما في طائفة من الآثار مذكورة في هذه الرسالة، ومنهم مَن كان يبكِّر لحلقة التحديث ولطلب الحديث في هذا الوقت.

وهو وقت عظيم للذِّكر والدعاء والصلاة والسؤال، وقد أثنى الله على الذاكرين فيه، والمصلين فيه، والسائلين فيه.

قال الله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات:18. وقال سبحانه: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} آل عمران:17.

والسَّحَر: هو جزؤ الليل الأخير المتصل بالصباح.

وسُئل النبي أي الصلاة أفضل: فقال: «جوف الليل» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وسئل أيضًا ؛ أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوف الليل الآخر» رواه أبو داود عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه ، ورواه أحمد بلفظ: هَلْ مِنَ السَّاعَاتِ سَاعَةٌ أَفْضَلُ مِنَ الْأُخْرَى؟ فقَالَ : «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَفْضَلُ، فَإِنَّهَا مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْفَجْرَ»([31]).

وحديث النزول في ثلث الليل الآخر مشهور في الصحاح وفيه: يقول الله: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فيُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فيُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ» قال: «حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ» متفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه .

فهذا الوقت من البكور من أفضل الأوقات التي تُستجاب في الدعوات، وتُقضى فيها الحاجات، وتنزل فيها الرحمات، وتُغفر فيها الزلات، وتُقال فيها العثرات، وتُرفع فيها الدرجات، وتكثُر فيها النفحات، فأين أنت ؟!.

وأما دخول النوم عن صلاة الصبح في هذا الحديث فلا شك فيه.

وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه.

قال ابنُ حجر رحمه الله في «الفتح»: «وروى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود أنه قال: «حسْب الرجل من الخيبة والشَّر أن ينام حتى يُصبح، وقد بال الشيطان في أذنه» قال: وهو موقوف صحيح الإسناد».

قلت: هو كذلك، وأخرجه ابنُ أبي شيبة في «المصنف» ثنا وكيع عن إسماعيل، عن قيس، قال: قال عبد الله: «كفى بالمرء من الشقاء أو من الخيبة أن يبيت وقد بال الشيطان في أذنه فيصبح ولم يذكر الله».

ومما شُرع في هذه الشريعة الغراء، الأذان الأول للصبح عند الفجر الأول، وهو وقت السَّحَر، وأبان النبيُّ الفائدة منه والعلة بقوله: «يوقظُ نائمَكم وينبِّه قائمَكم». متفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه .

فشرع نداء في هذا الوقت العظيم الفضل الظاهر الشرف، ومؤذّن يوقظ النوَّام ليُدركوا هذا الفضل العظيم، والتبكير المؤهِّل لرحمة الله ومغفرته وكرمه وإحسانه ونيل ثوابه العظيم وجنات النعيم.

فما أعظم هذا في عين المتأمِّل، وما أكبره في قلب المتدبِّر، وما أسهله على المشمِّر المقدِّر.

ويا لله! ما أعظمَ أجر، وما أحسنَ حال: مَن أقبلَ على يومه من هذه اللحظات المباركات الكريمات فقام وصلى ما كتب له ولو ركعتين، ثم ردَّد مع المؤذن حين يؤذِّن لصلاة الصبح، ثم صلى ركعتين، ثم صلى الصبح مع الجماعة، وذكرَ اللهَ بعد صلاته. ما أطيب نفسَه، وما أشرح صدره، وما أنشطه.

والعكس بالعكس.

كما أخبر النبي بذلك، وهو الصادق المصدوق، ففي الصحيحين([32]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ».

ففي هذا الحديث أخبر النبيُّ ﷺ عن صنف من الناس يستيقظون متأخِّرين، وتفوتهم الصبحة والبكور، فيصبح الواحد خبيث النفس كسلان، والعياذ بالله.

وهذا أمر وجداني فإنَّ الذي يضيِّع البكور، يشعرُ بضيق، ويجد في نفسه شعورًا يكدِّر خاطرَه، لضياع وقته؛ الوقت المبارَك له فيه، بخلاف ما لو استقبل يومَه واستغلَّ إبكاره، يجدُ أثره في طِيْب الخاطر، والأُنْس، واللطْف للجليس، وسعادة الباطن، هذا يجده كلُّ أحدٍ لا يُمكن دفعُه.

ومما وردَ في ذم مضيِّع البكور، ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».

وهذا من تراكم الكسل عليهم عن الطاعة، كما قال الله{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} النساء:142.

ومن أسباب الكسل: ضيق الصدر وخُبث النفس وعدم انشراح الصدر لها، وكل ذلك يذهب عن المؤمن - بحمد الله - بمبادرته إلى الخيرات وتبكيره فيها فتقوِّي إيمانَه، وتشرحُ صدرَه وتدفعه إلى تحصيل كلِّ ما ينفعُه من مصالح الدِّين والدُّنيا.

قال ابن مفلح رحمه الله ([33]): «وجزمَ بعض متأخري الأصحاب بكراهة النوم بعد الفجر. وعن بعض التابعين: أن الأرض تَعُج من نوم العالم بعد صلاة الفجر.

ورأى عبدُ الله بن عباس ابنًا له نائما نومة الضحى، فقال له: قم؛ أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟.

وذلك لأنه وقت طلب الرزق، والسعي فيه شرعًا وعرفًا عند العقلاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».

وقد قال الشاعر:

ألا إنَّ نومات الضُّحَى تُورث الفتى


 

خَبَـالا، ونوماتُ العُصَير جنـون

شرف المؤمن

وكم في صلاة الليل من الفضائل، ومن أعظمها قوله : «شرفُ المؤمِن قيَامُهُ بالليْل»([34]).

فضل صلاة الصبح

وأما فضل صلاة الصبح، وراتبتها، والتبكير لها، فقد ورد في ذلك شيء كثير، ومنه قوله : «قال الله تعالى: يَا ابْنَ آدَمَ صَلِّ لِي أَرْبَعَ ركعاتٍ في أول النهار أكفِكَ آخره»([35]).

والمقصود بهذه الأربع الركعات: صلاة الفجر وراتبتها، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ قال: «ولَو يَعْلمُون ما في العَتَمة والصُّبح لأتَوهُما ولَو حبْوًا».

وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمَّة الله فلا يَطْلبنَّكم اللهُ مِن ذمته بشيء فإنه مَن يطلُبُه من ذمته بشيء يُدركُه ثم يكبُّه على وجهه في نَار جهنَّم».

أفاد الحديث: أنَّ مَن قام في البُكور وصلَّى الفجرَ فهو في جوارِ الله سبحانه، يحفظه ويدفع عنه، فأيُّ فضْلٍ وأيُّ خير أعظمُ مِن هذا الفضل.

بل تَعدَّى الأمرُ إلى الآخِرة، حيث يجيره اللهُ من النار، ففي الصحيحين عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «لن يلجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غُروبِها». يعني: الفجر والعصر.

فهل يطيب بعدَ ذلك لأحدٌ أن يسهرَ الليلَ وينام عن المكتوبة فيفوِّت هذه الثمار العظيمة، ويبوء بأضدادها والعياذ بالله.

ومما يبوءُ به الوعيد فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن جندب رضي الله عنه في حديث طويل في الرؤيا أنَّ النبي قال: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى» قال: قلت لهما «سبحان الله ما هذان؟» قالا لِي: «انْطَلِقِ انْطَلِقْ». ثم قال آخر الحديث: «قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ».

وليس ببعيد عنك حديث: إنه يصبح خبيث النفس كسلان.

ناهيك عن البركة والخير الذي فاته بتفْويتهِ البُكُور.

قال ابنُ القيم رحمه الله في «زاد المعاد»: «أربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة».

وقال فيه أيضًا: «ونومُ الصُّبحة يَمْنَع الرِّزق؛ لأنَّ ذلك وقتٌ تَطلُب فيه الخليقةُ أرزاقَها، وهو وقتُ قِسمة الأرزاق، فنومُه حرْمان إلّا لعارضٍ أو ضرورة، وهو مُضِرٌّ جدًّا بالبدن لإرخائِه البدنَ، وإفسادِه للفضَلات التي يَنبغي تحليلُها بالرياضة، فيُحدِث تكسرًا وعِيًّا وضَعفًا، وإن كان قبلَ التبرُّز والحركة والرياضة وإشغال المَعِدة بشيءٍ، فذلك الداءُ العُضال المولِّد لأنواعٍ مِن الأدواء».

وقال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله في «شرح رياض الصالحين»: «للأسف أكثرُنا اليوم ينامون في أول النهار، ولا يستيقظون إلا في الضحى، فيفوت عليهم أول النهار الذي فيه بركة».

النهار للكسب والإنتاج والليل للنوم والراحة هذه سنة الله

ومن سنة الله تعالى أنْ جعلَ الليلَ للسكون والنوم وأخذ الراحة، وجعل النهار للمعاش والضرب في الأرض.

كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} غافر: 61، وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} الفرقان: 47، وقال سبحانه{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} النبأ: 9 – 11.

فهذه الآيات ونحوها يخبر تعالى أنه جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي: يستريحون فيه من نصبهم وكلالهم وحركاتهم، {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} أي: مضيئا لمعاشهم وسعيهم، وأسفارهم ومصالحهم.

وكان مِن هَدْيه الذي علَّمه لأمته النوم مبكرًا في الليل، وكراهية السهر غير المفيد ليكون ذلك عونًا على تحصيل بركة البكور، كما في حديث أبي برزة رضي الله عنه في الصحيحين قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا». وفي لفظ للبخاري: «وَلاَ يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلاَ الحَدِيثَ بَعْدَهَا».

قال الإمام النووي رحمه الله في «شرحه على مسلم»: «قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها؛ أنه يعرِّضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلَّا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة.

وسبب كراهة الحديث بعدها: أنه يؤدي إلى السَّهر ويُخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل، ولأنَّ السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجّه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا.

قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أمَّا ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه».

قلت: والسَّهر دون مبرِّر شقاءٌ، وتعَب، وسبب لذهاب تلك البركة التي تحصل بالبُكور، تلك البركةٌ والزيادةٌ والنماء لخيري الدُّنيا والآخِرة، التي لم نعُدْ نجد لها كبير أثر في حياتنا.

كما أنَّ كثرةَ السَّهر وعدَم أخْذ القسْط الكافي مِن النوم يؤدِّي إلى ظهورِ أعراض وأمراض أُخرى منها: التَّعَب والصُّداع والغثيان واحمرار العينين وانتفاخِهما والتوتُّر العصبي والقلَق وضَعْف الذاكرة والتركيز، وسُرعة الغضب، وبعض المشكلات البصريَّة.

قال ابنُ القيم رحمه الله في «زاد المعاد»: «والنومُ المعتَدل: ممكِّن للقوى الطبيعية من أفعالها، مريِّح للقوة النفسانية، ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسِّل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر.

وقيل: نوم النهار ثلاثة: خلق، وحرق، وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله ﷺ. والحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة. والحمق: نومة العصر».

وأما القول بأن هذا إنما كان في زمن البداوة! وأما في زمان الكهرباء والطاقة فتغير الأمر!؟، فهذا مجرد تشغيب فحسب، وإلا فإن الدراسات العلمية التي تخرج تباعًا لا تزال تؤكِّد الحقيقة والسُّنة الكونية التي قرَّرها القرآن، وأنَّ النوم نهارًا والسهر ليلًا باستمرار يشكِّل مصدرَ خطرٍ صحِّي، وسبب اختلال الساعة البيولوجية مما يؤدي إلى أمراض عضوية ونفسية ومضاعفات قد تصل إلى حادة من كثرة الأرق والتوتر.

وأثبت الطبّ الحديث أنَّ النوم ليلًا لا سيما في أوله هو النوم الصحِّي والعميق والمفيد للجسم مما يجعله يستعيد نشاطَه وصحَّته وحيويَّتَه.

وهذه سنة الله تعالى في خلقه، جعَلَ الله تعالى الليل لباسًا، والنوم سباتًا، وجعله سكنًا، وجعل النهار معاشًا وحركة، وهو الحكيم الخبير، يَعلم ما الذي يُصلح شأنَ عباده في الدنيا، كما قال: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} المُلك:14.

فإبطال سنة الليل وسنة النهار ومصادمة سنة الله الكونية، وقلب الساعات قلبًا، خطأ، حيث لا حاجة تدعو إلى ذلك.

ولا شك أنَّ الذي يسهر ليلَه، وينام نهارَه قد ضيَّع غنائم كثيرة وعظيمة قد تحدثنا عنها سابقًا ومنها: تضييع وقت السَّحَر، وصلاة الفجر في جماعة، وبركة أول النهار، ذلك الوقت الذي تُقسم فيه الأرزاق، فيُحرم ذلك الرزق والبركة الإلهية في يومه.

التبكير بالواجبات

ونعني به المبادرة بأدائها، وفعلها في أول أوقات الإمكان.

وهذه المسألة مشهورة في كتب الأصول ويبحثونها تحت عنوان: هل يقتضي الأمر الفور؟

وحاصل القول: أنَّ الأمر المقيَّد بقرينة تفيد وجوب المبادرة بالفعل أو جواز التأخير، أنه بحسب القرينة باتفاق، وإنما الكلام في الأمر المطلق، واعلم أنَّ كون المبادرة به أفضل؛ أمر لا نزاع فيه.

والحق أنَّ الأوامر الشرعية التكليفية قد ورد ما يفيد المبادرة والمسارعة في امتثالها، وأدائها، كما في أدلة المسارعة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} آل عمران:133، وقوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} المطفِّفين:26، وقال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} البقرة:148. في أدلة كثيرة في هذا الباب.

وهي أدلة فيها الأمر بإيقاع المأمور في أول وقته، لأن هذا هو حقيقة المسارعة والمنافسة والتسابق.

ولأنَّ ذلك أبرأ للذمة، وأحوط لدين العبد {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} لقمان:34، وهو مقتضى التهمُّم بالعبادة، ودليل الانقياد والامتثال، وعنوان العبودية. وأبعد من الدخول في جملة المتحسِّرين المذكورين في قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} الزمر 55, 56.

قال العلَّامة السعدي رحمه الله : «واتبعوا أي : مما أمرَكم من الأعمال الباطنة، كمحبة الله، وخشيته، ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر الله به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} وكل هذا حث على المبادرة وانتهاز الفرصة.

ثم حذرهم أن يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يومٌ يندمون فيه، ولا تنفع الندامة. و {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} أي: في جانب حقه».

ونظيرها قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون:10].

قال العلامة السعدي رحمه الله : «يدخل في هذا: النفقات الواجبة من الزكاة والكفارات ونفقة الزوجات، والمماليك، ونحو ذلك. والنفقات المستحبة كبذل المال في جميع المصالح. فليشكروا الله الذي أعطاهم، بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك الموتَ الذي إذا جاء لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير، ولهذا قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ} متحسِّرًا على ما فرَّط في وقت الإمكان {رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: لأتدارك ما فرطت فيه {فَأَصَّدَّقَ} من مالي ما به أنجو من العذاب، وأستحق به جزيل الثواب، {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} بأداء المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا الحج وغيره وهذا السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه».

التبكير إلى الجمعة

أخرج الإمام مسلم (850) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ».

وأخرجه الإمام أحمد (12/ 201/7259) ولفظه: «المُهَجِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَالمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، كَالمُهْدِي بَقَرَةً، وَالَّذِي يَلِيهِ كَالمُهْدِي كَبْشًا» حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ.

قال السندي رحمه الله : «المهجِّر: اسم فاعل من التهجير، قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: بل في قرب الهاجرة، أي: نصف النهار».

وقوله: «كالمُهْدِي» أي: كالمتصدق. «بدَنَة» -بفتحتين- أي: الإبل.

وهذا الحديث نصَّ على ثبوت الثواب في الذهاب للجمعة، لكنه فارَقَ بين الذاهبين فيه بحسب تبكيرهم إليها!، فمَن جاء في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة، ومن جاء في الساعة الأخيرة: كأنما قرب بيضة!.

وتأمل في الفرق بين البَدَنة والبيضة!!. وتأمَّل ثانيًا: السبب في هذا الفرق العظيم بينهما!. ثم تفكَّر!: في فضل التبكير وثمرته العظيمة على العبد.

وفي مسند الإمام أحمد والسنن من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «مَن غَسَلَ يومَ الجُمُعةِ واغتَسَلَ، ثمَّ بكَّرَ وابتكرَ، ومشى ولم يَركَب، ودنا مِن الإمامِ فاستَمعَ ولم يَلْغُ، كانَ له بكُل خُطوةٍ عَمَلُ سنةٍ أجرُ صِيامِها وقِيامِها».

وهذا ظاهر الدلالة في فضيلة التقدم في إتيان الجمعة، كما قاله شراح الحديث. بل ليس بعد هذا بيان أوضح ولا أفصح في فضل التقدم والتبكير، وبركته على العبد.

التبكير إلى الصلوات المفروضات

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»([36]).

اختُلف في تفسير التهجير في اللغة:

فقيل: هو السير في الهاجرة. ولهذا خصَّ بعضُهم هذا الحديث بالجمعة، والظهر!.

وقيل: المراد التبكير، فيشمل كل صلاة. وهذا نسبه الطيبي والقاري للجمهور.

قال الطيبي رحمه الله : «التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، يقال: هجَّر تهجيرًا فهو مهجِّر، وهي لغة حجازية أراد: المبادرة إلى أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: فالمهجِّر إليها كالمهدي بدنة».

وقال النووي رحمه الله : «التهجير: التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، وخصّه الخليل بالجمعة، والصواب المشهور الأول».

وقال الأزهري: «يذهبُ كثيرٌ من النَّاس إِلَى أَن التهجير تَفعيل من الهاجرة وقتَ الزَّوَال، وَهُوَ غَلَط، وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ أَبُو داودَ المصاحِفي عَن النَّضر بن شُمَيل أَنه قَالَ: التهجير إِلَى الجُمُعة وَغَيرهَا: التَبكير. قال: سمعتُ الخليلَ بن أَحْمد يَقُول ذَلِك فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث. قلت: وَهَذَا صَحِيح، وَهِي لغةُ أهل الْحجاز وَمن جاوَرَهم من قَيْس».

وقال ابن الأثير رحمه الله : «التهجير: التبكير إلى كلّ شيء والمبادرة إليه، يقال: هجَّر يهجِّر تهجيرًا، فهو مهجِّر، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة».

قلت: هذا أصح، لأنه قد عُلم في اللغة إطلاق التهجير على التبكير، ولأنه قد ثبت ما يدل على ذلك صريحًا كما سنذكره، ولأنه قد تكاثرت الأدلة في فضل انتظار الصلاة، والمسارعة إلى إدراك الصَّلاة في الصف الأول في كل صلاة ولا يحصل هذا إلا بالتبكير غالبًا([37]).

قال الطيبي رحمه الله : «لما فرغَ من الترغيب في الاستباق إلى الصَّف الأول؛ عقَّبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، ولذلك أوجبَ أن يفسَّر «التهجير» بالتبكير كما ذهب إليه الكثيرون»([38]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله : «وأما التهجير: فمعروف وهو: البدار إلى الصلاة في أول وقتها وقبل وقتها لمن شاء، ثم انتظارها، قال الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة 148وقال عليه السلام: «المهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة»، وتواترت الآثار عن النبيّ أن من انتظر الصلاة فهو في صلاة ما انتظرها، وحسبك من هذا فضلًا إذ الصلاة من أفضل أعمال البر، وأعظم أسباب هذا الفضل العظيم: التهجير إليها.

وقد سمَّى رسول الله انتظار الصلاة بعد الصلاة رباطًا، ولا أعلم خلافًا بين العلماء أنَّ مَن بكَّر وانتظر الصلاة وإنْ لم يصلِّ في الصفّ الأول أفضل ممن تأخَّر عنها ثم صلَّى في الصفِّ الأوَّل. وفي هذا ما يوضّح لك معنى الصف الأول، وأنه وردَ من أجل البكور إليه والتقدم، والله أعلم.

ولأنه لو سلمنا أنَّ المراد به التبكير في الظهر؛ لكان دليلًا بفحواه على فضل التبكير إلى سائر الصلوات»([39]).

فائدة في تحرير معنى الصف الأول:

قال ابن عبد البر رحمه الله : «لا أعلم خلافًا بين العلماء أنَّ مَن بكَّر وانتظر الصَّلاة وإن لم يصلِّ في الصف الأول أفضل ممن تأخَّر ثم تخطَّى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول أنه ورد من أجل البكور إليه والتقدم والله أعلم»([40]).

حكى ابن رجب رحمه الله كلام ابن عبدالبر هذا وقال: «وحمْل أحاديث فضل الصف الأول على البُكور إلى المسجد خاصَّة لا يصحّ، ومَن تأمَّل الأحاديث عَلِمَ أنَّ المراد بالصفّ الأول: الصفّ المقدَّم في المسجد، لا تحتمل غير ذَلِكَ»([41]).

قال القاضي عياض رحمه الله : «في الحديث حجَّة لتفضيل الصفّ الأول.

وقد اختُلف فيه:

- أهو الصف المقدَّم، فيكون هذا الفضل لمن صلى فيه وإن جاء آخرًا؟

- أم هو السّبق إلى المسجد وإنْ صلى آخره؟.

- أم هما في الأجر سواء وكلاهما صفّ أول في المعنى هذا بصُورته وهذا بسَبْقه؟.

والأول أظهر وأصح، وقد جاء مبينًا في أحاديث ذكرها مسلم، منها قوله: «لو يعلمون ما في الصفِّ المقدَّم»، وقوله: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها»، وقوله: «لا يزال قوم يتأخَّرون حتى يؤخِّرهم الله»، ولأنه قد ذكر فى الحديث نفسه التهجير والمسابقة؛ فدلَّ أنه غير الصفِّ الأول».

قلت: ما صحَّحهُ القاضي هو الصواب بلا ريب، وقد ذكرَ أدلتَه، وهي كافية.

وأما ذكره ابن عبدالبر رحمه الله من عدم الخلاف في مسألة التفضيل، فهي مسألة أخرى، فلا شك أن للتفضيل فضل في نفسه، ولما ينبني عليه من صلاة الراتبة، والنافلة والذكر وتلاوة القرآن وعمارة بيوت الله وانتظار الصلاة ونحو ذلك، مما لا يحصل من حضر إلا عند الإقامة مثلًا فصلى في الصف الأول، لكن ذلك لا ينفي فضل الصلاة في الصف الأول، ولا يلزم من صلاته في الصف الأول أن يكون أفضل ممن حاز تلك الفضائل العظيمة المشار إليها آنفًا، لا سيما وقد قيَّد كلامه بمن يتخطى الرقاب كالمفتئت على من سبَقَه في الحضور.

ومن هنا: تعيَّن التنبيه على خطأ يقع كثيرًا ممن يوفقه الله تعالى إلى التبكير إلى المسجد وهو: عدم الاهتمام بالصف الأول فيصلي في صف متأخر بدون عذر، فهذا الزهد خطأ بل ينبغي أن يتوِّجَ تبكيره إلى المسجد بالصلاة في الصف الأول الذي خلف الإمام.

ولهذا عدَّ شيخُ الإسلام رحمه الله حضور الشخص أولًا إلى المسجد وصلاته في الصف الأخير مخالفًا للشريعة!، لمخالفته لهدي النبي الذي حضَّ عليه وأمر به، وحذر من مخالفته كما في الأحاديث السابقة، ومخالفته لهدي السلف الصالح ومن تبعهم من التهمُّم بالصف الأول والعناية به.

وهذه نص فتواه رحمه الله ننقلها للفائدة، لكثرة من يجهل هذه المسألة ويخالف المشروع فيها.

سئل: عن أقوام يبتدرون السَّواري قبل الناس وقبل تكميل الصفوف، ويتخذون لهم مواضعَ دون الصَّف فهل يجوز التأخر عن الصَّف الأول؟

قال رحمه الله : «قد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها» قالوا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ». وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه»، وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها»، وأمثال ذلك من السُّنن التي ينبغي فيها للمصلين أن يتمُّوا الصف الأول ثم الثاني.

فمَن جاء أول الناس وصفَّ في غير الأول فقد خالف الشريعة وإذا ضمَّ إلى ذلك إساءة الصَّلاة أو فضولَ الكلام أو مكروهَة أو محرَّمَه ونحو ذلك مما يُصان المسجد عنه؛ فقد ترك تعظيم الشرائع وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله، وإن لم يعتقد نقْصَ ما فعلَه ويلتزم اتّباع أمرِ الله؛ استحقَّ العقوبة البليغة التي تحمله وأمثالَه على أداء ما أمر الله به، وترْك ما نَهى الله عنه، والله أعلم»([42]).

فائدة:

لا ينافي استحباب التهجير إلى الظهر خاصَّة ما وردَ في الإبراد، فإنه رخصه، والأصل استحباب التهجير([43]).

فائدة أخرى: المشروع أن يبكر هو بنفسه لا بسُجّادته!

قال شيخ الإسلام رحمه الله : «والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدّم المفروش وتأخَر هو؛ فقد خالف الشريعة من وجهين:

- من جهة تأخُّره وهو مأمور بالتقدم.

- ومن جهة غصْبه لطائفة من المسجد ومنْعه السابقين إلى المسجد أنْ يصلُّوا فيه وأن يتمُّوا الصف الأول فالأول، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا، وقد قال النبي للرجل: «اجلس فقد آذيت»([44]).

التبكير بالصلاة أول وقتها

ثبت أنَّ النبي ﷺ قال: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها»([45]).

وفي «المسند»([46]) للإمام أحمد عن أبي مليح قال: كنا مع بريدة في غزاة في يوم ذي غيم فقال: بكِّروا بالصَّلاة؛ فإن رسول الله قال: «من ترك صلاة العصر حبط عمله».

وأخرجه البغوي في «شرح السنة»([47])، وقال: «قوله: «بكِّروا» أي: قدِّموها في أول وقتها، والتبكير: التقديم في أول الوقت، وإن لم يكن أول النهار».

قلتُ: ولأن هذا هو الأصل في صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب، استحباب تقديمها في أول وقتها والأدلة على هذا معروف في باب المواقيت، وورد في استحباب تأخير العشاء عن أول وقتها أدلة تدل عليه.

وأيضًا: لأنَّ هذا هو الأصل في الواجب الموسع، أفضليةُ أدائه في أول وقته.

التبكير بالوتر خشية تفويته

وهذه وصية النبي لصحابيين فاضلين رضي الله عنهما بذلك.

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاَثٍ: «صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ».

وفي صحيح مسلم صحيح عن أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ».

قلت: وهذا حيث يخشى نومه عن الوتر، أو تفويته لانشغال ونحوه، وإلا فالأفضل تأخيره إلى وقت السَّحَر.

ومَن أوتر أوَّل الليل، فقام في السَّحَر تنفَّل بركعتين فما شاء، والله أعلم.

التبكير بالإفطار قبل الصلاة يوم عيد الفطر

بوَّب الإمام البخاري في «صحيحه»: (باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج) وأسند حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا».

قال ابنُ رجب رحمه الله : «وقد استحبَّ أكثرُ العلماء الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى، ومنهم علي وابن عباس. وقد عُلِّل الأكل يوم الفطر قبل الخروج: بالمبادرة إلى الفطر في يوم العيد، ليظهر مخالفته لرمضان حيث كان تحريم الأكل في نهاره.

وقيل: لـمَّـا وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحبّ تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدْرَ الشبع، وأشار إلى ذلك بن أبي جمرة»([48]).

تبكير الصائم بالفطور أول وقته

قد ثبت من قوله الحض على ذلك، وثبت من فعله ملازمة ذلك.

فأما قوله ففي الصحيحين([49]) عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».

وأما فعله ففي الصحيحين ([50]) عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنت مع النبي في سفر، فصام حتى أمسى، قال لرجل: «انزل فاجدح لي». قال: لو انتظرت حتى تمسي. قال: «انزل، فاجدح لي، إذا رأيت الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم».

وفي صحيح مسلم (1099) من طريق عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال: دخلتُ أنا ومسروق، على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد أحدهما يعجِّل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخِّر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجِّل الإفطار ويعجل الصَّلاة؟ قال: قلنا عبد الله يعني ابن مسعود قالت: «كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ».

قال ابن عبد البر رحمه الله : «أحاديث تعجيل الفطر وتأخير السحور متواترة صحاح»([51]).

وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على مشروعية تعجيل الصائم الإفطار، وفيها الحث على ملازمة هدي النبي وسنته، وأن ذلك سبب الخير والصلاح.

وأن مخالفتها علامة على فساد يقعون فيه، من مخالفة السنة والطريق المستقيم التي من تعوَّج عنها فقد ارتكب المعوجّ وولج في الضلال، ومن مشابهة أهل الكتاب، وأهل البدع، الذين صار تأخير الإفطار حتى تشتبك النجوم من شعارهم.

ففي تعجيل الفطر:

1- موافقة السنة.

2- ولزوم هدي السلف فقد صحَّ أنَّ الصحابة كانوا أعجل الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا.

3- ومبادرة إلى قبول الرخصة من الله.

4- ومخالفة لمن أُمِرْنا بمخالفتهم. فمن كان كذلك (لم يزل بخير)([52]).

التبكير في الرواح إلى عرفة

بوَّب الإمام البخاري (باب التهجير بالرواح يوم عرفة) وأسند عن سالم بن عبد الله قال: كتب عبدُ الملك إلى الحجاج: أن لا يُخالِف ابنَ عمر في الحج، فجاء ابنُ عمر رضي الله عنه وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن فقال: «الرواح إن كنت تريد السنة»، قال: هذه الساعة؟ قال: «نعم» قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجِّل الوقوف، فجعل ينظرُ إلى عبد الله فلما رأى ذلك عبدُ الله قال: «صدق».

وقد استحبَّ أهلُ العلم التعجيل بصلاتي الظهر والعصر والوقوف يوم عرفة، ونصُّوا على أنه سنة([53]).

التبكير بالزواج

ليس المقصود بهذا تقديمه قبل وقته وأوانه، فقد يكون سببًا لانفصامه وحرمانه، وإنما المراد المبادرة به أول وقته، لما فيه من الفوائد العظيمة على الفرد، أعني الزوج والزوجة، وعلى الجماعة.

ولا يمكن تحديد ذلك الوقت بزمن وعُمر لا يتخلَّف عنه شاب ولا فتاة للاختلاف والتباين الظاهر فقد يمنع منه مانع بدنيًا أو نفسيًا أو عقليًا أو مجتمعيًا، أو غير ذلك.

لكن يمكن تحديده بوصْف كأن نقول في التعبير عنه: متى ما ظُنَّ صلاحية الزوجين للزواج فالأولى المبادرة به، ويدخل تحت هذه اللفظة التي استعملناها وهي (الصلاحية للزواج) اعتبارات عدَّة منها مَا يرجع إلى الخِلْقة، ومنها مَا يرجع إلى الأخلاق، إلى الذَّات، والذِّهْن.

ولسنا بصدد تحرير العبارات في هذا الموطن لأنه جاء عرضًا، وإنما المقصود التنبيه إلى أنَّ مِن مجالات التبكير المحمود المندوب إليه في الشرع: التبكير في الزواج تحصيلًا للمصالح وتكثيرها، ودفعًا للمفاسد وتقليلها.

ومن أدلة ذلك قوله : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ». متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «والشباب: جمع شاب، ويجمع أيضًا على شَبَبَة وشُبَّان -بضم أوله والتثقيل- وأصله: الحركة والنشاط، وهو: اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية.

وقال القرطبي في «المفهم»: يُقال له حَدَث إلى ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثمَّ كهْل، وكذا ذكر الزمخشري في الشباب: أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين.

قال النووي: الأصح المختار أنَّ الشاب: مَن بلغ ولم يجاوز الثلاثين ثمَّ هُو كهْل!!».

قلت فأين الذين غلب عليهم - مجاراةً تأخير الزواج، وحتى صارت ثقافة سائدة أن الوقت المناسب للزواج أنَّه بعد الثلاثين!، بل هؤلاء على كلام أهل العلم السابق الذِّكْر يخرجون عن الخطاب في الحديث، لأنهم أصبحوا كهولًا؟!!.

وليس يخفى على لبيب مَا ينشأ عن هذا التأخير من المفاسد والفتنة، والله المستعان.

وهذا أمر، وهو يقتضي الفور، والمأمور مَن بلغَ صالحًا للزواج من الجنسين، ولا ريب في أهمية لفت النظر إلى الاستطاعة التي عُلِّق الأمر عليها وما يتبعها مما يُذكَر في بابه.

والواجب على المسلمين أن يشجِّعوا على الزواج المبكِّر، ويعمَلوا على تيسير أسبابِه، لا سيما في زمن تدعُو فيه جهاتٌ علنًا إلى ضدِّ ما ندَب إليه الشرع، مع الدعوة، والتزيين لجميع وسائل الرذيلة.

ومن جميل مآثر العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله قوله كما في «مجموع فتاواه»: «جرى الاطلاع على الاستفتاء بخصوص رغبة السائل في إيجاد حلّ للجمع بين رغبة والده في إلزامه بالزواج المبكر، ورغبته هو في تأجيله الزواج حتى يتخرَّج، لزعمه أن الزواج قد يحدُّ من نشاطه الدراسي.

ونفيدكم: أنَّ ما قصدَهُ والدُه من إلزامه بالزواج هو ما دَعا إليه الرسول ﷺ فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج» الحديث رواه الجماعة.

وهذا من الوالد نتيجة حتمية لمشاعره الودِّية تجاه ابنه، ومدى اهتمامه باستقامته وتخوُّفه مِن أنْ يلحقَ بركب الشباب الطائش لا سيما وقد أصبحت عوامل الإغراء والإثارة تتنازع الشبيبة من كل جانب، مما كان له أسوأ الأثر في انحراف كثير منهم، ولا شك أنه يتعين على المسلم البر بوالديه، وطاعة أوامرهما فيما لا معصية فيه أو فيه مصلحة، إذ أنهما في الغالب لا يأمران أبناءهما إلا بما يريان فيه المصلحة لهم في حياتهم الدنيا وفي الآخرة، ولا ريب أن الزواج فيه تحصين للفروج وغض للأبصار وهو عامل فعَّال من أقوى عوامل الاستفادة والاهتداء.

أما تعلُّل الولد بأن الزواج قد يحدُّ من نشاطه الدراسي؛ فالملاحظ أن الشاب في سنِّ المراهقة تنتابه كثيرٌ من الأفكار المشتِّتة لذهنه، وليس كمثل الزواج علاج لمثل هذه الأحوال النفسية، وبالله التوفيق».

التبكير في قتال العدو

أخرج البخاري في «صحيحه» عن النُّعمَان بن مقرّن رضي الله عنه قال: «شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ».

وبوَّب عليه الترمذي فقال: (باب ما جاء في الساعة التي يستحب فيها القتال) وبوَّب عليه أبو داود: (باب في أيِّ وقتٍ يُستحب اللقاء).

وبوَّب البخاري في «صحيحه» بابًا فقال: (بَابٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ).

وأسندَ تحته حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه ولفظه: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا، انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ».

فيُستفاد أنَّ الأصل أنَّ النبي ﷺ كان يُقاتل أول النهار وقت البركة، فإنْ لم يقاتل ذلك الوقت أخَّره بعد الزوال.

قال ابنُ حجر في «الفتح»: «لأنَّ الرياح تهبُّ غالبًا بعد الزوال فيحصُل بها تبريد حدة السلاح والحرب، وزيادة في النشاط». وقال: «ولكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء». أي يحضر وقت الصَّلاة ويدعو المسلمون لجيوشهم فينزل النصر بإذن الله.

وفي الصَّحيحين([54]) أنَّ النبي ﷺ أمر الصحابة في قتال أهل الطائف بالغدو لقتالهم، وذلك أول النهار.

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، وفي حديث سهل بن سعد عندهما: «خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ».

قال النووي: «(الغدوة): -بفتح الغين- السَّير أول النهار إلى الزوال. و(الروحة) السير من الزوال إلى آخر النهار. ومعنى هذا الحديث: أنَّ فضل الغدوة والروحة في سبيل الله وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها لو مَلَكها إنسانٌ وتُصُوِّر تنعُّمه بها كلِّها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق».

وفي حديث صخر بن وداعة رضي الله عنه قَالَ: «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ». وهو صالح في الشواهد في الباب.

وفي الصحيحين عن أنس رحمه الله أن رسول الله غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبيُّ الله وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فلما دخل القرية، قال: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».

وفي لفظ: «فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم، ومكاتلهم فهزمهم الله عز وجل».

وفي لفظ للبخاري: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكُن يغزو بنا حتى يُصبح وينظر، فإنْ سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغارَ عليهم».

قال ابنُ عبد البر رحمه الله ([55]) عند هذا الحديث: «في هذا الحديث: أنَّ الغارة على العدو إنما ينبغي أن تكون في وجه الصباح، لما في ذلك من التبيين والنجاح في البكور».

خاتمة

ولعلي انتقل من هذا الفصل الذي ختم به فصول هذه الرسالة، إلى التأكيد على أهمية مقاتلة ألدّ وأشدّ الأعداء، وهو الشيطان، الذي لا يألو جهدًا في إغوائك ولا يترك سبيلًا إلا وطرقه لإضلالك، قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة:169، وقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فاطر:6.

فبادره بالذِّكر قبل أن يبادرك بالغفلة.

وبادره بالنشاط وانشراح الصدر للعبادة قبل أن يبادرك بالكسل وضيق الصدر، وقد بين النبي أنَّ الشيطان يزيِّن الكسل عن طاعة الله، ويثبِّط العبدَ عن سبيل مرضاته، كما في قوله : «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإنَّ أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان»([56]).

 ومعنى «من الشيطان»: أنه يصدر من تكسيل الشيطان، وأنه يحب ذلك ويرتضيه ويزيِّنه.

قال القرطبي رحمه الله : «التثاؤب أصله من ثاب الرجل إذا استرخى وكسل، ونسبته للشيطان لأنه يصدُر عن تكسيله فإنه قلَّ أنْ يصدُر ذلك التثاؤب مع النشاط، وقيل نُسب إليه لأنه يرتضيه»([57]).

قال ابن القيم رحمه الله : «وما أمر الله عز وجل بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان:

ـ إما تقصير وتفريط.

ـ وإما إفراط وغلو.

فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستَامه فإنْ وجدَ فيه فتورًا وتوانيًا وترخيصًا: أخذَهُ من هذه الخطَّة فثبَّطه وأقعَدَه وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له بابَ التأويلات والرجاء وغير ذلك حتى رُبَّما ترك العبد المأمور جملة.

وإن وجدَ عنده حرصًا وجدًّا وتشميرا ونهضةً، وأيس أن يأخذه من هذا الباب ـ باب الكسل - أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهمَّتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تفتر إذا فتروا فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير.

ومقصوده من الرجلين: إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا: بأن لا يقربه ولا يدنو منه، وهذا: بأن يجاوزه ويتعدَّاه، وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنجِّي من ذلك: إلا علمٌ راسخ، وإيمان، وقوة على محاربته، ولزوم الوسط، والله المستعان»([58]).

فعاجِلْه بالتوبة قبل أن يعاجلك بالحوبة، واصفَعْه على عظيم نعم الله عليك بالشكر لله تعالى وحسن التفكُّر قبل أنْ يُهلِكَك بالتذمُّر، وبادِرْه بالبكور قبل أنْ يزيِّن لك الكسل والفتور.

والله الهادي، والموفِّق لكلِّ خير، والعاصم والمنجِّي منْ كلِّ بلية وضَير، وهو المسئول سبحانه وبحمده بأسمائه الحسنى وصفاته الحسنى أنْ يُسبل علينا وافرَ النعم وأنْ يُجزل لنا عظيم المنن، وأنْ يختم لنا بالحسنى، وأن يغفرَ لنا في الآخرة والأولى.

وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

قال كاتبه أبو محمد الخولاني عبدالله بن أحمد بن لَـــمْح: كان تهذيب هذا الجزء اللطيف -الذي أسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه- في مكة بلد الله الحرام في أيام من شهر الله المحرَّم آخرها يوم الإثنين 19 منه/ سنة 1439 من الهجرة.



([1]) سيأتي لفظه بتمامه، وتخريجه.

([2]) عند حديث رقم (1212).

([3]) (111)، ط: دار الصميعي.

([4]) «الاستيعاب» (2/716)، ط: دار الجيل.

([5]) «الترغيب والترهيب» (2/514ـ 515) ط: ابن كثير.

([6]) «العلل المتناهية» (1/314)، (حديث في فضل البكور).

([7]) (4/102 ـ 106)، ط: دار الفكر، وهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وأنس، وابن عباس، وعائشة، ونبيط بن شريط، وأبي بكرة، وعمران بن حصين، وجابر، وأبو هريرة، وابن عمر، وكعب بن مالك، والنواس بن سمعان، رضي الله عنهم.

([8]) (2/132)، ط: دار الكتب.

([9]) «فيض القدير» (2/132).

([10]) (159ـ160) ط: دار الكتاب

([11]) «علل الحديث» (6/40/رقم المسألة 2300)، وهذا ليس صريحًا في تضعيفه مطلقًا، فقد يتوجه هذا التضعيف إلى الأفراد.

([12]) (4/98)، ونص كلام ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/324): «هذه الأحاديث كلها لا يثبت منها شيء».

([13]) انظر: «الضعفاء» (1/263)، ترجمة: الحسن بن عمرو بن سيف العبدي، و(3/192): ترجمة: عمر بن مساور العتكي. وراجع أيضًا، ترجمة: محمد بن عنبسة، منه.

([14]) (159ـ160) ط: دار الكتاب

([15]) انظر: «صحيح الجامع»، و«صحيح الترغيب» (2/307).

([16]) وفي هذا المصدر التصريح بالسماع بين يعلى وعمارة، وقال البخاري في «التاريخ» (6/278) ترجمة عمارة: سمع منه يعلى بن عطاء.

([17]) سقط من سنده من المطبوع، وهو مثبت في نسخة أخرى، و«مجمع البحرين»، وهو واضح في كلام الطبراني نفسه.

([18]) فائدة: أول اليوم الفجر، وبعده الصباح، فالغداة، فالبكرة، فالضحى، فالضحوة، فالهاجرة، فالظهر، فالرواح، فالمساء، فالعصر، فالأصيل، فالعشاء الأول، فالعشاء الآخرة وذلك عند مغيب الشفق. ولهم غير هذه الأسماء. انظر: «المخصص» لابن سيده. (باب الصبح وأسمائه).

([19]) انظر: «تهذيب اللغة» (10/ 127)، «الصحاح» (2/ 596)، القاموس، ومقاييس ابن فارس، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط: (بكر)، و«المفردات» للراغب (140)، و«التوقيف على مهمات التعاريف» (ص: 82).

([20]) انظر: «تفسير» ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير (عند الآية)، و«مجموع الفتاوى (2/ 494) و (4/312).

([21]) «زاد المعاد» (4/247 - 248).

([22]) «فيض القدير» (4/351).

([23]) «مفتاح دار السعادة» (2/216).

([24]) «فيض القدير» (1/394)، و (2/ 103ـ 104).

([25]) «فتح الباري» (6/114).

([26]) «التوضيح شرح الجامع الصحيح» (18/ 54)، وانظر: «شرح صحيح البخارى» لابن بطال (5/ 125).

([27]) جاء عن أنس وأبي أمامة رضي الله عنهما أخرجه الترمذي، والطبراني، وغيرهما وهو حديث حسن، انظر: «الصحيحة» (3403).

([28]) «المحرر الوجيز» (2/ 495).

([29]) «الأذكار» (155- 156).

([30]) رواه البخاري (1144)، ومسلم (774).

([31]) انظر: «الصحيحة» (551)، و«صحيح أبي داود» (5/21/1158).

([32]) البخاري (1142)، ومسلم (776).

([33]) «الآداب الشرعية» (3/147)، وانظر: «زاد المعاد» (4/78).

([34]) انظر: «الصحيحة» (831)، و (1903).

([35]) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، وغيرهم عن نعيم بن همار، وأبي ذر وأبي الدرداء، انظر: الإرواء (465)، و«صحيح أبي داود/الأم» (1167)، و«التعليقات على ابن حبان» (2524).

([36]) أخرجه البخاري (615)، ومسلم (437). قال الطيبي رحمه الله: «وأطلقَ مفعول «يعلم» ولم يبين أنَّ الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة! وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف.

وليت شعري! بماذا يتشبثُ ويتمسَّك مَن طرقَ سمعَه هذا البيان، ثمَّ يتقاعد عن الجماعة؟ خصوصًا عن الاستباق إلى الصَّف الأول!؟».

([37]) انظر: «إكمال المعلم» (2/349) (3/239)، «شرح المشكاة» للطيبي (3/ 897)، «التوضيح» لابن الملقن (6/343)، «فتح الباري» لابن رجب (6/ 27)، «شرح مسلم» للنووي (4/158)، «تهذيب اللغة» (6/30). وقد بوَّب الإمام البخاري: باب فضل التهجير إلى الظهر. قال الحافظ ابن حجر: «كذا للأكثر وعليه شرح ابن التين وغيره، وفي بعضها: (إلى الصلاة) وعليه شرح ابن بطال». قلت: الصواب ما ذكرناه في تفسير التهجير، والمعنى الثاني لا ينافيه كما قرَّره ابن عبدالبر وسيأتي كلامه، وقد حرَّره ابنُ بطال فقال: «والتهجير: السير في الهاجرة، وهي شدة الحر، ويدخل في معنى التهجير المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة».

([38]) «شرح المشكاة» للطيبي (3/ 897).

([39]) «الاستذكار» (1/378 - 379).

([40]) «التمهيد» (22/14)، وانظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (2/244).

([41]) «فتح الباري» (6/ 276).

([42]) «مجموع الفتاوى» (22/261 - 262).

([43]) «شرح» ابن بطال (2/280).

([44]) «مجموع الفتاوى» (22/190).

([45]) انظر: «صحيح أبي داود/الأم» (453)، ومسند أحمد (7/6) و (45/63).

([46]) (38/54/22957)، وهو صحيح.

([47]) «شرح السنة» (2/ 213) (369).

([48]) «فتح الباري» (8/441).

([49]) البخاري (1957)، وبوب عليه: باب تعجيل الإفطار، ومسلم (1098).

([50]) البخاري (1958) ومسلم (1101).

([51]) انظر: «الاستذكار» (1/ 177) ، «التوضيح» لابن الملقن (13/ 397)

([52]) انظر: «شرح البخاري» لابن بطال (4/ 104)، «التوضيح» لابن الملقن (13/ 398)، «فيض القدير» (6/ 450) «الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم» (12/ 393).

([53]) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (4/337)، و«التوضيح» لابن الملقن (11/534)، و«الفتح» لابن حجر رقم (1660).

([54]) البخاري (4325)، ومسلم (1778).

([55]) «التمهيد» (2/215).

([56]) أخرجه البخاري (6223)، و(6226) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

([57]) في «المفهم» (6/625)، وبنحوه في «إكمال المعلم» (8/544) للقاضي عياض F.

([58]) «الوابل الصيب» (39 ـ 40) ط: مكتبة الفرقان.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح